ABID-INFO

أحاسيس صحراوية.. جولة فى دوز

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الكل أحاسيس صحراوية.. جولة فى دوز

مُساهمة من طرف Admin في السبت فبراير 06, 2010 11:27 pm




هواء منعش، أضواء شفافة لشهر ديسمبر، صمت الكثبان خلف الظلال الخضراء
للواحة، ما إن ينتهى موسم جنى التمور حتى يُفتح باب الهضاب الرملية
الشرقي، وتنشط حركة هائجة. دوز الحارس الأبى للصحراء، آخر مدينة فى الجنوب
الغربى ـ التونسي، تقطع فجأة مع إيقاعها العادي.
خمسة أيام من الأعراس، شرائط عديدة من الأعلام تزين ساحة 7 نوفمبر،
المدينة، بوابة الصحراء، أخرجت أعلامها وراياتها، إنه تقليد تمارسه
المدينة دون ملل منذ 1919، الاحتفال القديم بالجمل تدرّج شيئا فشيئا ليصبح
مهرجانا دوليا مفتوحا على كل الذين يحلمون بالجمال ويحملون فى داخلهم
الثقافة أو الحضارة البدوية التى ورثوها عن جدودهم.. كل سنة تقدم عديد
الوفود من الجزائر المجاورة وليبيا ومصر والسودان ومن بلدان الخليج،
ويتجمع كل هؤلاء فى حى المرازيق للإحتفاء بمآثر الأسلاف.

حنين بدوي

ليس أكثر من خمسين سنة، لما غادر هؤلاء الرعاة البدو الخيام وبيوت الشعر
التى كانت تأويهم حين يخرجون فى الربيع إلى الصحراء لقضاء موسم النقاهة..
ويكفى أن تنطق كلمة صحراء حتى تلمع فى الحال عينا المرزوقى "نسبة إلى
المرازيق"، ببريق خاص أو لم يكن جدود هؤلاء الأحفاد أطفال الريح مشهورين
بمعرفتهم العالية بالجمال فى كل المنطقة، أو لم يكونوا يتقنون القيافة
وقادرين على تحديد ومعرفة، ومن أثر بسيط لخف على الرمل، الجمل وصاحبه؟
كانت قوافل الجمال يتجه بعضها شمالا لاقتناء الحبوب، والآخرون يغوصون
بعيدا نحو غدامس حيث يتقايضون الزبدة المذوّبة بنخاع ومخ النعام ليستعملوه
فى دباغة الأحذية المطرّزة بخيوط الحرير التى تنتعلها النساء عند الزواج..
حياة قاسية ومنهكة وفى الغالب خطرة هى نفسها التى تعيد تشكلّها الآن،
ماحية فى طريقها فظاعة الأعمال المرهقة للحصول على الحطب والماء.
كل صباح من هذه الأيام الخمسة، يتكرر المشهد، حيث يغزو خليط من الناس أهم
أنهج المدينة التى يسودها سكان دوز والجنوب، وهم ملتفون فى برانيسهم
الصوفية ومتوشحون بالشاش التقليدى ليتمتعوا بالمشاركة فى الاحتفال أو
الأستعراض، سياح من العاصمة تونس يقدمون من بعد 600 كلم ليطّلعوا على
عادات مغايرة تماما، وعلى وقع الطبل والزكرة، ووسط حلقات الرقص التى
تصاحبها الزغاريد، تتقدم فرق دوز وقبلى وهى تطوف حول الساحة مرتين سترات
فضفاضة من الصوف، ملونة بالأزرق والأحمر، وجباب، أو ما يسميه أهل دوز
الجلوالى من القطن الأزرق وسراويل طويلة ينعتونها بساق الغزال ويعتمّون
بالشاشية المخرّزة بالشرابى والمحاطة بلحائف سمراء فاتحة وبتلك الشاكلة
ينتقلون من عرس إلى آخر لينشّطوا الحفلات برقصاتهم الرباعية ودوران
الفرسان.

على ايقاع الطبل والزكرة

إنّ أحفاد العبيد المحررين هم فقط لهم الحق فى الإنتماء لهذه الفرق،
وجذورهم الإفريقية حسب المعتقد الشعبي، تمنحهم قدرات خارقة يتبرك بها
أهالى العريس والعروس وهنالك رقعة أخرى تؤجج حمّى الجمهور والمعروفة بـ
رقصة الأباريق أو القلال وهى تتمثّل فى رفع ثمانى أو تسع قلال بعضها فوق
بعض على رأس أحد أفراد فرقة الرقص ويبلغ التشويق ذروته حين يصعد هذا
الراقص على سلّم وهو حامل كل تلك القلال فوق رأسه بكل ثقة ودون أدنى خطأ.
بعد ذلك تأتى رقصة البنات وتسمى النخّان ومن خصائصها تحريك الرأس بطريقة
تجعل شعر الصبية يتأرجح يمينا وشمالا وهى رقصة الأعراس، وكلما أمعنت
الموسيقى فى التصعيد إلا وتسارعت وتيرة إدارة الرؤوس وتناثر الشعور حتى
لكأن رؤسهن تدور دورة كاملة.. اهتزاز إلى فوق يعقبه انحدار يلامس الأرض ثم
انتصاب من جديد فى شكل باقة زهور حول حلقات المتفرجين، إنها رقصة تهفو إلى
إسعاد هؤلاء الذين قدموا لمقاسمه سعادة العريسين.

احتفال الصحراء

عن قريب سيترك المغنون والراقصون المكان للفرق الأجنبية القادمة من وادى
المزاب من الجارة الجزائر، ثم يقدم فرسان غرداية حاملين بنادقهم ذات
الفوهات العريضة، يليهم فرسان الطوارق الأباة القادمين من ليبيا. هذا
الحفل سينتظم بعد قليل، فى المساء بالساحة الكبيرة، ساحة حنيش حيث سيجتمع
أناس كثيرون، تركوا متاجرهم ومنازلهم ليتمتعوا بهذا الإحتفال، يأتون كلهم
سواء على الأقدام أو خلف جمالهم أو على الأحصنة، أما النساء فإنهن يأتين
إلى هناك فى شكل جماعات ويمررن فى طريقهن على المعرض الإقتصادى الذى يقام
على هامش المهرجان وهى مناسبة فريدة لتكشف الصبايا عن وجوههن ويزلن الشال،
أما الأطفال الصغار الذين يودون الذهاب إلى الإحتفال فإنهم يكونون مصحوبين
بأمهاتهم أو إخوتهم الذين يكبرونهم، ولا يحلمون سوى باقتناء سراويل
الدجينس والنايك من أكوام الفريب التى تحتلّ حيّزا كبيرا من السوق.. وعلى
بعد بضعة أمتار يلتقى الشيوخ والشباب فى دار الثقافة محمد المرزوقى
لمواكبة مسابقة الشعر الشعبي، ومنذ الصباح تغص القاعة بالجمهور المتعطّش
لسماع القصائد الغنائيّة التى يلقيها الشعراء المنشدون القادمون من
الصحراء الكبرى ومن الكويت والبحرين.
فى هذه الساعة يُحتفل بالصحراء كمحطة للإستراحة والعبور، قد لا نبالغ إذا
قلنا إن فى كل عائلة من المرازيق هنالك شاعر، إنه شعب مفتون بالكلمة، إنهم
يعيدون زمان امريء القيس ولبيد وفحول شعراء ما قبل الإسلام، ويمجدون حبّ
الصحراء والعيش فى الخيام، أو ليسوا هم أيضا أحفاد بنى هلال وبنى سليم،
أصيلو الحجاز الوسطى حيث كان يعيش جدودهم فى مكان ما بين مكة والمدينة،
وهم لا يملّون سماع إيقاع الصحراء وهى تترنم بقوّة الخيول، يجزّ صوف
الخرفان، بتروية القطعان أو القبض على النياق الجميلة.

أفراح بدوية

السعادة الحقيقية لا توجد سوى فى البادية كما عبّر عن ذلك الأمير عبد
القادر منذ مائة وخمسين سنة، ممجّدا فى الوقت نفسه المهاري، سفن الصحراء
الناعمة، الفرسان الذين يسابقون الريح، النباتات ذات الفضائل العجيبة "1"،
دون أن ننسى طبعا جمال النساء وهن جالسات على أفرشة الجمال، كل صفات
التطواف والترحال موجودة هنا، فى ذرّات الرمل، فى ساحة المهرجان البهيجة
فرسان باسلون على ظهور الجياد المحلاة بالسروج المطرّزة والمجلّلة بأقمصة
مرصعة، يمرّون حاملين أشرعة ترفرف وسط هتافات الجماهير المكتظة بهم
المنصّة، وعلى صوت أدعية الشاعر الشعبى بلقاسم عبد اللطيف المؤثرة جدا،
تتالى العروض، فنشاهد بعد ذلك رقصة المهارى البيضاء الرائعة، هذه الجمال
المعدّة للسباق، والتى يدربها على ذلك كثير من قبائل الطوارق فى جنوب
الجزائر وليبيا والنيجر ومالى وكذلك المرازيق وسكان الهضاب الشرقية ثم بعد
ذلك قوافل الدواب المبردعة المخصصة للنقل، ثم مصارعة الجمال التى تتصادم
فى موسم التزاوج، هذه المصارعة العنيفة تكون فى العادة قصيرة جدا، وهذا من
حسن حظّنا.
كثير من الأطفال يأتون إلى المهرجان مصحوبين بكلاب السلوقى الصحراوية التى
يدربونها على اصطياد السحالى والغزلان.. والأجمل يأتى دائما فى الختام،
فأمام الفرق المشاركة ومطياتهم مجمعة وبملابسهم المختلفة المتداخلة فى
مشهد سنفونى بهيج، يأتى موكب العروس، وهى داخل الجحفة فوق الجمل، منطقة
بالقماش الأبيض حتى تبقى متخفية عن أنظار الجميع، أما النساء المصاحبات
للموكب فإنهن يغنين وهن يسرن وخلف الهودج وخلفه مزغردات من حين لآخر فيما
تسمع بعض طلقات البارود التى يطلقها الرجال، وفى دوز تحتل الجحفة مكانة
كبيرة فى مواسم الزفاف التى تمتد على أربعة أيام على الأقل.. وفى دوز أيضا
يبدو الأمر عاديا جدا وأنت ترى فى صحون المنازل وجنبا إلى جنب الجمل
والبارابول.
"1" لا يذهب فى الظن أن الصحراء عقيمة، بل عكس ذلك، فهى تستأثر بنباتات
وأزهار مختلفة يفوق عددها خمسمائة نوع، وهى سلة ثمينة بالنسبة لمحمد بن
عون المختص فى المداواة بالأعشاب بالمنطقة، والذى ورث هذه الصنعة عن جده
وهو يقوم بنفسه بجمع هذه النباتات من الصحراء المجاورة ومن هذه النباتات
مثلا زيت البخور والإكليل وهو علاج فاعل جدا ضد السعال، كما أن زيت الثوم
جيد ومفيد ضد ألم القطن..، وحول هذه الظاهرة التى تمتاز بها دوز فى
التداوى بالأعشاب نظم الشاعر الشعبى الكبير بلقاسم عبد اللطيف قصيدته
ذائعة الصيت.
طبّهْ وما قريناش الطُبّ
ومُوشْ عجبْ نداوُو بدواياتْ عربْ

_________________
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
avatar
Admin
المدير
المدير

عدد المساهمات : 308
تاريخ التسجيل : 07/12/2009
العمر : 34

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى